مستشفيات الفاشر أثناء الحصار: إجراء (12) الف عملية جراحية بعضها دون تخدير وبضوء الهواتف

عاين-12 نوفمبر 2026

خلال فترة الحصار والمعارك التي شهدتها مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، أجرت الفرق الطبية في المدينة المحاصرة أكثر من “12 ألف عملية جراحية”. كثير من هذه العمليات نُفّذت ليلاً، تحت القصف، باستخدام مصابيح الهواتف المحمولة فقط لإضاءة الجروح المفتوحة. وتحولت غرف العمليات إلى مساحات بقاء بدائي، حيث لم يعد الهدف التعافي، بل إبقاء المريض حياً حتى صباح جديد.

كان الطبيب الجراح عز الدين اسو، ضمن هذه الفرق الطبية في مدينة الفاشر المعزولة تماماً عن العالم. لا طرق آمنة، ولا وسائل اتصال موثوقة، ولا سلاسل إمداد تعمل، ما “حوّل المستشفيات إلى جزر يأس. عمل الأطباء من دون تخدير، ومن دون كهرباء، وغالباً من دون أمل. ومع ذلك، استمروا”. يقول عز الدين لـ(عاين).

ومع اشتداد الحصار، انهارت حتى أبسط أشكال التكنولوجيا. انقطعت خدمات الإنترنت بالكامل. ورغم وجود أجهزة «ستارلينك»، فإنها كانت عديمة الفائدة لغياب المولدات أو الطاقة الشمسية، التي تعذر تشغيلها وسط القصف المتواصل والاستهداف المباشر. انقطعت الاتصالات كلياً. لم يكن أحد يعلم ما الذي يُتخذ من قرارات، أو ما إذا كانت القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة تعتزم الصمود أو الانسحاب من المدينة.

لحظة سقوط المدينة.. هروب تحت النيران

في اليوم الذي سقطت فيه الفاشر، حاول الطبيب اسو ومن معه مغادرة المدينة مراراً. سلكوا طرق الجنوب الغربي والشمال الغربي، وهي الاتجاهات ذاتها التي شاهدوا عبرها جنود الجيش والقوات المشتركة ينسحبون. في ذلك الوقت، لم يكونوا يعلمون أن قرار الانسحاب الرسمي قد صدر بالفعل. ومع تشويش الاتصالات، اعتمد المدنيون والعسكريون على ما يرونه بأعينهم فقط: الناس تغادر، والخطر يقترب.

“كان القصف في ذلك الصباح عنيفاً وعشوائياً. في شوارع الفاشر، تساقطت القذائف من دون إنذار، ممزقة أجساد المدنيين الفارين”. يقول الطبيب الجراح أسو. ويتابع: إن” الأجساد كانت تتناثر أمام أعين الهاربين. أصبحت الحركة شبه مستحيلة”.

كنت شاهدًا على إصابة أحد المدنيين الفارين برصاصة في عنقه قطعت الشريان الرئيسي. صرخ ابنه طالباً المساعدة. توقّفت لفحص الجرح. لم يكن هناك ما يمكن فعله. الإصابة كانت قاتلة. قلت لابنه لا يمكن إنقاذه، علينا أن نواصل الهروب، البقاء هنا يعني الموت للجميع

الطبيب الجراح عزالدين اسو

الطبيب عز الدين ورفاقه، قادهم أول مسار إلى حي المطار جنوب غربي المدينة، حيث فوجئوا بوجود وحدات من قوات الدعم السريع متمركزة في المكان. بدأ المسلحون بالصراخ وإطلاق شتائم عنصرية، مطالبين بالاستسلام. عمّ الذعر. فرّ الدكتور أسو ومن معه، لكن مقاتلي الدعم السريع لاحقوهم على دراجات نارية وأطلقوا النار.

أُصيب أحد المدنيين، ويدعى *الهادي، برصاصة في عنقه قطعت الشريان الرئيسي. صرخ ابنه طالباً المساعدة. توقّف الدكتور أسو وفحص الجرح. لم يكن هناك ما يمكن فعله. الإصابة كانت قاتلة. قال للابن: «لا يمكن إنقاذه، علينا أن نواصل الركض». البقاء كان يعني الموت للجميع.

مقاومة الحرب في دارفور - مستشفى الفاشر جنوب
أطباء في مستشفى في الفاشر- أرشيف

عاد اسو ومن معه أدراجهم إلى داخل المدينة، نحو مقر كلية الهندسة بجامعة الفاشر، وهي منطقة كانت عادة تحت سيطرة الجيش، وبقوا هناك حتى المساء. ومع حلول الظلام، بدأت موجات جديدة من المدنيين والجنود بمحاولة الفرار. هذه المرة، انضموا إليهم وساروا على الأقدام طوال الليل.

مرت ساعات طويلة. اشتد العطش حتى انهار الدكتور أسو من الجفاف، وأخبر رفيقه أنه لم يعد قادراً على المتابعة. ناموا في مكانهم. وعند الفجر، اكتشفوا حقيقة مرعبة: لقد باتوا ليلتهم في قرية على أطراف الفاشر تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

اعتقال ونهب وطلب فدية

عندما استفسروا عن الطريق إلى منطقة طويلة، صادرت القوات هواتفهم وأموالهم، واعتدت عليهم بالضرب. ووُجهت إليهم اتهامات بالانتماء إلى الجيش أو القوات المشتركة. وتركز الاستجواب بشكل مهووس على الانتماء القبلي. وأي منتمين لمجموعة أهلية غير متحالفة مع الدعم السريع، تعرّضوا لإهانات عنصرية وضرب أشد.

بعد تجريدهم من كل ما يملكون، أُجبروا على الجلوس تحت شجرة لساعات. كان أحد مرافقي الدكتور أسو قد خبأ أمولاً في ملابسه الداخلية. وعندما عُثر على المال، تصاعد الضرب حتى غروب الشمس. عندها فقط سُمح لهم بالمغادرة، مع إعطائهم إرشادات غامضة نحو طويلة. وفقا لما يرويه الطبيب إسو لـ(عاين).

ساروا طوال الليل مجدداً. وقبيل الفجر، توقف أحدهم لإزالة أشواك غرست في قدمه. في تلك اللحظة، وصلت عربة دفع رباعي تابعة للدعم السريع. أطلق المسلحون النار في الهواء، وانهالوا عليهم بالشتائم العنصرية، وأجبروهم على الصعود إلى السيارة. ونقلوهم إلى قرية مهجورة قرب طويلة، حيث كان عشرات المحتجزين الآخرين محتجزين هناك. تعرض الجميع للضرب الجماعي حتى الغروب. قدّر الدكتور إسو عدد المحتجزين بنحو 38 شخصاً.

يقول اسو: “كانت ظروف الاحتجاز قاسية للغاية. تقاسم الجميع 4.5 لترات من الماء يومياً فقط. وكان الحصول على كمية تعادل فنجان شاي يُعد حظاً. أما الطعام، فكان كيلوغراماً من الأرز صباحاً وآخر مساءً، يطبخه المحتجزون بأنفسهم ويتقاسمونه.

كل يوم، كان يُقتاد أربعة أو خمسة محتجزين إلى موقع قريب تتوفر فيه خدمة «ستارلينك»، حيث يُجبرون على الاتصال بعائلاتهم والمطالبة بدفع فدية مقابل الإفراج عنهم. كانت المبالغ تُحدد بشكل اعتباطي، وغالباً بناءً على الانتماء القبلي. أخفى الطبيب اسو مهنته، خوفاً من إجباره على معالجة مقاتلي الدعم السريع أو اتهامه بمعالجة جنود الجيش.

عندما يصبح المرض درعاً من التعذيب

كان العامل الصحي في مستشفى السعودي بالفاشر، شاهدا على انهيار المدينة. وهو الذي ظل في المدينة طوال فترة الحصار، ويراقب اختفاء الأدوية وارتفاع أسعارها بشكل جنوني قبل أن تنعدم تماما في الأسابيع الأخيرة التي سبقت سقوط المدينة. يقول العامل الصحي الذي يفضل حجب اسمه لـ(عاين): “عندما ساء الوضع، قررت الفرار في صباح يوم سقوط الفاشر. لكنني لم أتمكن من ذلك، وحوالي الساعة العاشرة صباحاً، أُوقف في منطقة قرني شمال غربي المدينة. كان هناك آلاف الأشخاص – رجال ونساء وأطفال – محاصرون. عددهم  يقدر بين 6 و7 آلاف شخص”.

بعد تفشي حالات إسهال مائي حاد وسط المحتجزين بمنطقة قرني، تراجع التعذيب ليس بدافع الرحمة، بل خوفاً من العدوى، وبات الحراس يتجنبون دخول أماكن الاحتجاز

عامل طبي

مرت ساعات تحت الحراسة المشددة. وعند نحو الثانية ظهراً، فُصلت النساء عن الرجال، ونُقلن إلى داخل منطقة قرني. ثم أُجبرت المجموعة المتبقية على التحرك تحت حراسة مشددة، قبل إعادتهم لاحقاً إلى الفاشر. طوال هذه الفترة، أخفى العامل الصحي مهنته، مدركاً أن كشفها قد يعني الاستعباد أو القتل. تدهورت أوضاع الاحتجاز سريعاً. بعد أيام، ظهرت حالات إسهال مائي حاد بين الأطفال المحتجزين بالقرب منهم. انتشر المرض بسرعة.

بعد أيام من الاحتجاز يقول شاهد (عاين)، أنه تم اكتشاف مهنتي، وأنني امتلك تدريباً طبياً، فبدأت بمعالجة الأطفال بما توفر من إمكانات ضئيلة. بعدها ظللت محتجزاً لما لا يقل عن ثلاثين يوماً. ومع تفشي المرض، تراجع التعذيب – ليس بدافع الرحمة، بل خوفاً من العدوى. بات الحراس يتجنبون دخول أماكن الاحتجاز. لفترة قصيرة، أصبح المرض درعاً.

تكدس اعداد كبيرة من مصابي معارك الفاشر بمستشفى المدينة- مايو 2024

تمكن بعض المحتجزين من الفرار. آخرون دفعوا حياتهم ثمناً. نجا العامل الصحي بالفرار، حاملاً معه ما رآه. ما ظل يطارده هو مصير زملائه. قُتل عدد من الكوادر الطبية الذين كانوا في مستشفى السعودي يوم سقوط الفاشر، كما قُتل مرضى ومرافقوهم نتيجة قصف المستشفى. مكان خُصص للعلاج تحول إلى مقبرة جماعية. وفقًا للعامل الصحي الذي أفاد أيضا بأنه وبعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر، انهار النظام الصحي بالكامل. نُهبت المرافق ودُمرت. قُتل العاملون الصحيون أو طوردوا. وأصبحت محاولات المدنيين توفير أدوية أساسية محفوفة بالمخاطر. تُركت الفاشر بلا رعاية، وبلا حماية، وبلا شهود.

تكشف الشهادتان ليس فقط عن معاناة فردية، بل عن تدمير ممنهج للحياة المدنية في الفاشر. طورد الأطباء. قُصفت المستشفيات. عومل المدنيون الفارون كأعداء.

الأشد قسوة ليس العنف وحده، بل العبء الأخلاقي الذي يحمله الناجون. يقول الطبيب إنه “اضطر لأن يطلب من ابن أن يترك والده المحتضر.. قرارات يجب ألا يُجبر أي إنسان على اتخاذها”. نجا الطبيب إيسو والعامل الصحي، بينما قُتل عدد من زملائهم ومرضاهم في المدينة.

أدى انقطاع الاتصالات التام إلى بقاء المجتمعات المحلية والدولية على حد سواء جاهلة بحجم الدمار. تقول سميرة*، وهي أم شابة فرّت من الفاشر ونزحت إلى مخيم النازحين المترامي الأطراف في منطقة طويلة الخاضعة لسيطرة حركة وجيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، بولاية شمال دارفور. وتقول: “لم أعرف ما حدث لأخي لأسابيع. عندما بدأ القتال، تفرقنا ولم يكن لدينا أي وسيلة للتواصل”. سميرة من المحظوظين، إذ التقت به في النهاية، وبمحض الصدفة، في طويلة. أما بالنسبة للكثيرين، فلا يزال مصير أقاربهم وأحبائهم مجهولاً حتى اليوم.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *