النيل الأزرق.. هل تتشكل حرب في الخفاء بين إثيوبيا والسودان ومصر؟
عاين- 12 يناير 2025
لأول مرة منذ العام 2011 يواجه إقليم النيل الأزرق “مخاطر جدية” جراء حشود قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في الأجزاء الجنوبية والغربية قرب الحدود المشتركة بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، تمهيداً لشن هجمات عسكرية.
الإقليم، الذي لم يتعافَ كليًا من النزاع المسلح خلال الفترة الانتقالية، عاد ليتصدر واجهة العمليات الحربية في الصراع الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل 2023 وذلك قبل أن يحقق الجيش السوداني تقدمًا نسبيًا منتصف العام 2024 مع نجاحه في الحفاظ على مدينة “الدمازين” عاصمة الإقليم، ومنع سقوطها طوال فترة تواجد قوات الدعم السريع في المناطق الممتدة بين سنار وأطراف إقليم النيل الأزرق العام الماضي.
القبضة الأمنية
وتبرز “القبضة الأمنية” كإحدى الوسائل المشددة التي لجأت إليها القوات المسلحة في مدينة الدمازين؛ فالمدينة التي عُرفت بإطلاق شرارة الاحتجاجات الشعبية ضد الرئيس الأسبق عمر البشير نهاية العام 2018، باتت اليوم ساحة للاستعراض العسكري التابع للجيش السوداني.
ويقول الباحث في شؤون إقليم النيل الأزرق، محمد جبر: إن “الإقليم يمر بفترة عصيبة جراء المخاطر الأمنية الناجمة عن وصول حشود كبيرة لقوات الدعم السريع إلى الأجزاء الجنوبية والغربية”. وأردف قائلاً: “تتخذ قوات الدعم السريع من منطقة بني شنقول داخل الحدود الإثيوبية مركزًا للعمليات العسكرية التي تعتزم تنفيذها في عمق الإقليم السوداني المجاور”.
العملية العسكرية بالإقليم قد تكون متوقفة نتيجة ضغوط مصرية على الإمارات لمنع فتح جبهة جديدة في إقليم النيل الأزرق، الذي تعتبره القاهرة منطقة حيوية تمس أمنها المائي
باحث في شؤون إقليم النيل الأزرق
ويرى محمد جبر في مقابلة مع (عاين)، أن العملية العسكرية قد تكون متوقفة نتيجة ضغوط مصرية على الإمارات لمنع فتح جبهة جديدة في إقليم النيل الأزرق، الذي تعتبره القاهرة منطقة حيوية تمس أمنها المائي كونه الرافد الأكبر لنهر النيل الذي يصل الأراضي المصرية مروراً بوسط وشمال السودان.
موارد على مرمى جبهات القتال
وتتزامن هذه التهديدات مع دعوات رسمية أطلقتها الحكومة السودانية مطلع يناير الجاري حثت فيها الشركات على الاستثمار في إنتاج معدن “الكروم” بمحافظة الروصيرص الغنية بالموارد الطبيعية.
ويتكون إقليم النيل الأزرق من سبع محافظات هي: “قيسان”، “الكرمك”، “الروصيرص”، “التضامن”، “باو”، و”ود الماحي”، بالإضافة إلى العاصمة ومقرها محافظة “الدمازين”. وتتركز الكثافة السكانية في محافظات الدمازين والروصيرص والكرمك و”جبال الأنقسنا” مقراً لها لقربها من مصادر الأنهار والأراضي الزراعية. وتضم كذلك خزان الروصيرص.

وتقول الباحثة في قضايا السلام بالإقليم جواهر محمد حمد، لـ(عاين): إن “حياة السكان تعتمد بشكل أساسي على صيد الأسماك والزراعة والمهن التقليدية محذرة من أن هؤلاء السكان سيجدون أنفسهم خارج دائرة هذه الأنشطة الاقتصادية إذا تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة عسكرية. وتعتقد الباحثة أن الجيش السوداني، في محاولته لحماية “تمظهرات الدولة المتآكلة” -على حد وصفها- يستند إلى تحركات عسكرية تفتقر إلى الغطاء السياسي نتيجة الانقسام الاجتماعي والسياسي.
الحرب من الخفاء إلى العلن
وفي خطوة تعكس انتقال المواجهات إلى حيز التنفيذ، شن الطيران الحربي غارات جوية استهدفت حشودًا للدعم السريع في منطقة “يابوس” الأحد 11 يناير الجاري.
وأفاد مصدر عسكري في الجيش السوداني (عاين)، بأن الإمارات تسعى لفتح جبهة جديدة للسماح بتوغل قوات الدعم السريع، مؤكدًا أن الجيش يعلم بهذا المخطط منذ ما قبل اندلاع الحرب ودفع بتعزيزات إلى ثلاث مناطق استراتيجية، مستدركًا: “العلاقة بين إثيوبيا والسودان غير مستقرة، ولا يمكن وصفها على المستوى الرسمي بالمتينة”.
تعتقد الإمارات وإثيوبيا، ومن خلفهما الدعم السريع، أن ضرب النيل الأزرق سيؤدي إلى انهيار منطقة وسط السودان، فضلًا عن كونه المصدر الرئيسي لتدفق مياه النيل نحو السودان ومصر
مصدر عسكري
وتابع المصدر: “تعتقد الإمارات وإثيوبيا ومن خلفهما الدعم السريع، أن ضرب النيل الأزرق سيؤدي إلى انهيار منطقة وسط السودان، فضلًا عن كونه المصدر الرئيسي لتدفق مياه النيل نحو السودان ومصر”.
نزوح مزدوج ومعاناة بلا نهاية
لم تبارح المعاناة الإنسانية عشرات الآلاف من المدنيين جراء العمليات العسكرية التي جرت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على تخوم النيل الأزرق في النصف الأول من العام 2024 إذ ظل آلاف الأطفال والنساء يتضورون جوعا مع تعثر المنظمات في الوصول إلى مناطق صنفتها بـ”الخطورة العالية”.
وذكر الناشط السياسي محمد مراد لـ(عاين) أن الأوضاع لن تعود إلى سابق عهدها؛ لأن المشهد يتشكل من جديد مؤثرًا بشكل مباشر على أمن إقليم النيل الأزرق بالتالي جراء توتر العلاقة بين دول الإقليم دون الوضع في الاعتبار معاناة ملايين المواطنين من صعوبة تأمين الطعام والرعاية الصحية في الإقليم منذ سنوات.

وأضاف مراد: “تقارير المنظمات الدولية تؤكد أن أي هجوم واسع سيؤدي إلى إشعال الحرب عبر ثلاث جبهات كردفان ودارفور والنيل الأزرق ما ينذر بانهيار الوضع الإنساني”. مردفًا: “تخشى إثيوبيا تدفق مليوني لاجئ، لكنها تتعرض لضغوط للمقايضة بالسماح باستخدام منطقة (بني شنقول) كقاعدة لعمليات الدعم السريع”.
وأنهكت الحرب المتطاولة بين الجيش و”مجموعة الحركة الشعبية” هذا الإقليم طوال السنوات الماضية، وبينما كان المأمول إبعاد المنطقة عن النزاع خلال الفترة الانتقالية إبان حكم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك (2019-2021)، برزت الصراعات القبلية كعامل إضافي للإنهاك الإنساني والاقتصادي.
الإقليم بقي في الظل
ويقول الباحث محمد عباس لـ(عاين): إن “الأوضاع تنهار سريعاً في المناطق البعيدة عن مركز الدولة؛ لأنها تُدار عبر مؤسسات ذات طابع أمني”. ويرى عباس، أن الإقليم بقي “في الظل” دون مؤسسات خدمية، مما جعل السكان يعتمدون على أنفسهم، واستغلت الجماعات المسلحة -بما فيها الدعم السريع- غياب خدمات التعليم والصحة لاستقطاب المجموعات التي عانت الفقر.
وبينما يبدأ الإقليم “جولة أخرى” من العمليات العسكرية التي ابتدرها الجيش بغاراته الأحد 11 يناير الجاري تبرز مخاوف جدية من إفلات النزاع من دائرة “الاهتمام الدولي” المتهم بالتراخي. في الوقت ذاته، لن تكون العلاقات السودانية الإثيوبية في حالة سكون، إذ برزت إرهاصات تبادل الاتهامات منذ تصريحات قائد الجيش في تركيا نهاية الشهر الماضي، محذرًا من أسماها “الدول الصديقة” من الاعتقاد بأن الحرب قد أضعفت الدولة.
كارثة إنسانية في الطريق
وتقول الباحثة في المجال الإنساني نهلة حسن لـ (عاين): إن “إقليم النيل الأزرق يُعد من أكثر المناطق تضرراً من الناحية الإنسانية جراء المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وذلك نتيجة لعدم قدرة المنظمات الدولية على إيصال الإغاثة إلى بعض المناطق التي يتضور سكانها جوعًا”.
وترى نهلة حسن أن المجتمع الدولي ربما يجهل “حساسية” منطقة النيل الأزرق، التي لم تتعافَ بعد من ويلات حرب استمرت سنوات طويلة؛ مؤكدة أن تجدد الصراع المسلح سيلقي بملايين المدنيين على حافة الموت والجوع، ويدفعهم نحو اللجوء إلى جنوب السودان وإثيوبيا أو النزوح إلى ولايات سودانية أخرى.

وأوضحت الباحثة أن مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، اتخذ خطوات سريعة منذ نهاية ديسمبر 2025 للتوصل إلى هدنة في السودان، مستبقاً بذلك تقارير تحذيرية أشارت إلى توسع دائرة القتال لتشمل إقليم النيل الأزرق، ودخول المنطقة في اضطرابات أمنية بعيدة المدى.
وتعتقد الباحثة أن قوات الدعم السريع تُعول على كسب انحياز “إثنيات” معينة في النيل الأزرق، لا سيما بعد إعلان القيادي الأهلي في المنطقة “أبو شوتال” في عام 2023 ولاءه للدعم السريع، في خطوة بررها برغبة ما وصفه بـ “الهامش” في الحصول على السلطة مناصفة مع “المركز”.





















