«ثِقل الغياب»: الاختفاء القسري.. جرح مفتوح في حرب السودان

عاين- 30 أغسطس 2025

منذ أن اقتاد مسلحون من قوات الدعم السريع زوجها واختفى أثره في أحد أحياء العاصمة السودانية الخرطوم، تعيش أسرة صغيرة على قلق يومي لا ينتهي.

بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري الذي يصادف 30 أغسطس من كل عام، تسلط (عاين) الضوء على الأبعاد القاسية لهذه الجريمة في السودان. فالاختفاء القسري لم يبدأ مع حرب 15 ابريل 2023، بل كان جرحًا مفتوحًا قبلها، ويواصل اليوم تمزيق مئات الأسر التي تبحث عن أحبائها وسط صمت رسمي خانق ونداءات إنسانية لا تهدأ.

بعد اختطاف والدهم تكافح أسرة صغيرة للبقاء متماسكة وسط العنف والممارسات القسرية من جهات مسلحة وأجهزة أمنية. هناك، في قلب العاصمة الخرطوم، كانت تعيش أسرة صغيرة حياة هادئة ومستقرة، تجمعها المحبة والتفاهم والاحترام المتبادل. الزوج، المعروف بأخلاقه العالية، “كان شديد التعلق بأبنائه، يؤدي كل واجباته الحياتية وأكثر، رجل عطوف وفيّ، كريم مع الجميع، محبوب من الأهل والجيران والأصدقاء والعملاء. كما كان مناصراً للمرأة ومنادياً بالديمقراطية” كما تروي لنا الزوجة.

ظل الزوج وزوجته وأطفاله يعيشون في منزلهم منذ بداية الحرب، حتى الأول من سبتمبر 2024، حين اضطرت الزوجة لمغادرة الخرطوم مع أطفالها إلى ولاية نهر النيل للجوء إلى أقاربهم، تاركين الزوج في البيت. وصلوا أولاً إلى مايو ذلك الحي الطرفي بمدينة الخرطوم، ثم إلى عطبرة، ظل الزوج يتصل بأسرته مرتين يومياً.

الاتصال الأخير

آخر اتصال تلقته الزوجة من زوجها المختفي قسريًا كان صباح الأحد 22 ديسمبر 2024، الساعة العاشرة، وهو اليوم نفسه الذي اعتُقل فيه بين الواحدة والنصف والثانية ظهراً على يد أفراد تابعين لقوات الدعم السريع، بحسب إفادتها لـ(عاين)، بعد أن طلبت حجب هويتها وهويّة زوجها.

تصاعد اعمدة الدخان جراء عمليات عسكرية في الخرطوم – ارشيف

لحظة الاختطاف، كان الزوج أمام المنزل يملأ الماء مستخدماً الطاقة الشمسية عبر “الموتور”، بينما يصطف الجيران منذ الساعة العاشرة صباحاً لملء حاجتهم، ويستمر “الموتور” في العمل حتى وقت الظهيرة أحياناً. كانت تلك آخر لحظة له قبل أن يُقتاد بعيداً من حياته اليومية بشكل مفاجئ.

تروي الزوجة، مستندة إلى إفادات الجيران الذين شهدوا الحادثة: “وصلت فجأة عربة “لاندكروزر” بيضاء، تحمل أفراداً مسلحين يرتدون زي الدعم السريع. اقتربوا من زوجي وأخبروه بأنه يقوم بـ’جمهرة’. أجابهم بهدوء: أنا فقط أملأ الماء للناس بسبب انقطاع الخطوط. لكنهم اقتادوه بعيداً، وقالوا للحاضرين إنه سيعود بعد ساعة… ساعة مرت، ثم أكثر، ولم يعد”.

تستمر بمرارة: “ومساءً، بعد المغرب، عادوا بأعداد أكبر، وهددوا الحاضرين بأن أي حركة أو سؤال قد تنتهي برصاصة في رأسه. خيم الصمت على المكان، صمت يثقل القلب، ويملأ النفس بالخوف”.

يستمر الغياب..

وتتابع الزوجة: “دخلوا منزلنا بحجة أن زوجي أشار إليهم إلى مكان معين… المكان الذي يحتوي على الذهب، الذي لا يعرفه إلا أنا وهو. تمنيت في تلك اللحظة أن يكون فعل ذلك كفدية لنفسه، وقلت لنفسي إنه سيعود بعد ذلك… لكن مضى يوم ويومان وثلاثة… وأكثر، إلا أنه لم يعد حتى الآن”.

تقول الزوجة بصوتٍ متقطع: “الجيران وأقرباؤه شهدوا كل ما جرى. ومنذ اختفائه، لم تصلنا أي أخبار عنه… غيابه ترك فراغاً لا يوصف، وأصابني القلق والأرق والتوتر، وارتفع ضغط دمي، رغم أنني لم أعانِ سابقاً من أي مشكلات صحية”.

وتضيف: “أما الأطفال، فقد تضرروا بشدة. الابنة الكبرى في مرحلة حرجة جداً… بكاء مستمر، ضيق في التنفس، قيء استمر لشهر ونصف، فقدان الشهية، إصابة بالأنيميا ونقص الحديد. ظهر لها طفح جلدي وتساقط شعرها. عرضناها على طبيب جلدية وطبيب باطنية، وأكدا أن كل ذلك نتيجة صدمة عصبية”.

وتواصل حديثها عن أصغر الأولاد: “الابن الأصغر بدأ يعاني “تبول” لا إراديًا، رغم أنه لم يكن لديه من قبل، مصحوباً بأرق وخوف دائم، وسؤال مستمر عن والده. أما الأكبر، فالأرق والقلق جعلاه عصبياً بدرجة زائدة”.

تختصر الزوجة الألم الذي تعيشه الأسرة: “حياتنا انقلبت رأساً على عقب. إذا ناموا، يستيقظون على كوابيس وأحلام مزعجة، ويخشون أن يلقى والدهم نفس مصير شقيقهم، الضابط بالمعاش، الذي اعتُقل وعادوا به جثة هامدة”.. “مواجهة الحياة اليومية أصبحت معاناة لا توصف… لا أمان، لا استقرار، ولا قدرة على تلبية أبسط مستلزمات الأطفال بعد اختفاء والدهم. فقدوا العائل والسند… افتقدناه كثيراً”.

شهادة اختفاء قسري

قدمت الأسرة بلاغاً في مركز الشرطة، واستُخرجت له شهادة رسمية بالاختفاء القسري بتاريخ 14 يناير 2024. تواصلت الأسرة مع الصليب الأحمر السوداني مرتين، وأكدت المنظمة أنها ستنقل أي معلومات تصلها عنه فوراً.

في قلب هذا الألم والمعاناة، تأمل الأسرة من المنظمات الإنسانية تسليط الضوء على هؤلاء المفقودين المهمشين، والضغط على الحكومة للبحث عنهم والتحقيق في ملابسات اختفائهم، كما تطالب بمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم وفتح بلاغات لدى المحاكم الجنائية الدولية، سعياً لتحقيق العدالة وإنصاف من فقدوا أحبتهم ظلماً.

نموذج حي للانتهاكات

تمثل معاناة هذه الأسرة نموذجاً حياً للانتهاكات التي تتعرض لها مئات الأسر السودانية في ظل ظاهرة الاختفاء القسري. إذ يُفقد أحد أفراد الأسرة فجأة، تاركاً خلفه فراغاً نفسياً واجتماعياً كبيراً، بينما تواجه الأسرة تهديدات مباشرة، مضايقات مستمرة، وانتهاكات متعددة من قبل جهات مسلحة وأجهزة أمنية، ما يعيق حياتهم اليومية ويعرقل حقوقهم الأساسية في الأمان والحياة الكريمة.

أحداث الحرب الأخيرة، خلفت مآس متتابعة تنجم عن جريمة الاختفاء القسري، آلاف المفقودين، بما في ذلك الذين اختفوا بعد الهجوم الذي وقع على مخيم زمزم للنازحين الذي يقع بالقرب من مدينة الفاشر المحاصرة في إقليم دارفور.

نزوح الآلاف من مخيم زمزم إلى مناطق طويلة بولاية شمال دارفور

الأرقام التي خرجت عقب الأحداث تكشف حجم الفاجعة. المتحدث باسم النازحين، محمد خميس دودة، أكد أن مئات الأطفال وعشرات النساء ما زالوا في عداد المفقودين.

ما جرى في شرق الجزيرة يضيف طبقة جديدة للأزمة السودانية: الاختفاء وسط النزوح الجماعي. فبينما يتحدث العالم عن المعارك والقتل والجوع، يعيش آلاف السودانيين مأساة يومية في البحث عن أحبائهم المفقودين.

في 29 يونيو 2024، شنّت قوات الدعم السريع هجمات عنيفة على مدينة سنجة في ولاية سنار بجنوب السودان، مما دفع كثيراً من الأهالي إلى الفرار مسرعين نحو الشمال، عبر جسر الدندر وطرق وعرة إلى ولايات مثل القضارف، في رحلة نزوح قاسية شهدت اختفاء العديدين بينهم نساء وأطفال وكبار السن.

في 16 مايو 2023، نشرت شبكة (عاين) تحقيقاً يميط اللثام عن جانب قاتم من الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث برزت قضية المفقودين المدنيين كإحدى المآسي الأقل تداولاً، لكنها الأشد وقعًا على آلاف الأسر.

التقرير يكشف أن أقسام الشرطة في الخرطوم وأمدرمان مغلقة منذ منتصف أبريل 2023، ما جعل قضايا الاختفاء بلا جهة رسمية مختصة. وفي المقابل، أطلقت مبادرات مجتمعية مثل “مبادرة مفقود” جهوداً لتجميع البلاغات عبر منصات التواصل الاجتماعي. ووفقاً لإحصاءات المبادرة، فإن عدد المدنيين المختفين قسرياً يتراوح بين 180 و190 شخصاً، بينما عاد نحو 10 فقط إلى أسرهم بعد الإفراج عنهم من معتقلات تابعة لقوات عسكرية.

جرح جديد

منذ 15 أبريل 2023 وحتى مايو 2023، انفتح ملف المفقودين المدنيين كجرح جديد في حرب السودان: عشرات الجثث تُدفن بلا توثيق، ومئات الأشخاص يختفون دون أثر، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتراجع أولوية هذا الملف في أجندة المفاوضات الدولية.

التقرير يوضح أن النساء والفتيات استُهدفن بمزيد من العنف مقارنة بالرجال، إلا أن الإبلاغ عن اختفائهن لا يعكس الحجم الحقيقي للأزمة، بسبب عوامل مثل الخوف والوصمة الاجتماعية ونقص آليات التبليغ. تم توثيق أنماط الاختفاء عبر مرحلتين: الأولى فور دخول قوات الدعم السريع إلى منطقة، والثانية بعد استقرارها فيها، مما زاد من نطاق المخاطر والتفشي التدريجي للانتهاكات.

في 28 نوفمبر 2025، كشفت المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي (شبكة صيحة) في مؤتمر صحفي عبر الإنترنت عن مأساة جديدة للنساء في السودان. وفقاً للتقرير المسند إلى بيانات تم جمعها حتى ديسمبر 2024، تعرضت 236 فتاة وامرأة للاختفاء القسري، وسط تهديدات بالعنف الجنسي والقتل والاستعباد، في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، خاصة بالخرطوم والجزيرة. من بين هذه الحالات، لا يعرف مصير 209 منهنّ، بينما عُثر فقط على 27 امرأة وصبية.

السودان مُلزم

 المختص في القانون الدولي الإنساني، عبد الباسط الحاج، يشير إلى أن الاختفاء القسري يُعرّف وفق الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بأنه الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، بما يحرمه من الحماية القانونية.

وأشار إلى أن السودان صادق على هذه الاتفاقية في العام 2021، ما يجعله ملزماً بنصوصها، موضحاً أن القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 تطرّق بالفعل لجرائم قريبة مثل الاعتقال والحجز غير المشروع والخطف. لكنه ميّز بين الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، لافتاً إلى أن الأول يتم عبر السلطات باستخدام القانون بشكل تعسفي، بينما الثاني يتجاوز ذلك ليخفي الشخص كلياً خارج حماية القانون.

يمثل الاختفاء القسري جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع السوداني، إذ لا يتوقف أثره عند لحظة الاختفاء، بل يمتد كظل ثقيل يلاحق الأسر جيلاً بعد جيل

وشدد الحاج، على أن للأسر الحق في معرفة أماكن ذويهم وأسباب اختفائهم، وفي حال وفاتهم فمن حقها معرفة أماكن الدفن والجهات المسؤولة ومحاسبتها، إضافة إلى الحصول على التعويض. وأضاف أن الاختفاء القسري يمكن أن يُصنّف كجريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية إذا اتخذ أنماطاً واسعة، ما يفتح الباب أمام تدخل آليات العدالة الدولية، مثل بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. لكنه أشار إلى أن التوثيق وحفظ الأدلة يمثلان أبرز التحديات، ما يستدعي تعاونا دولياً لدعم الجهود الوطنية.

من جهته، أوضح المحامي، محمد يوسف، أن التشريع السوداني لم يتضمن حتى وقت قريب تعريفاً واضحاً للاختفاء القسري، رغم تجريمه بعض الأفعال المرتبطة به مثل الحجز غير المشروع والاختطاف. وأكد أن صادقت السودان في 2021 على الاتفاقية الدولية للاختفاء القسري وعلى اتفاقية مناهضة التعذيب، ونصّت الوثيقة الدستورية على أن هذه الاتفاقيات جزء من الدستور، لكن عملية مواءمة القوانين الوطنية معها “ما زالت غير مكتملة”.

جرائم حرب

وحول النزاع الدائر منذ أبريل 2023، قال يوسف إن البلاد شهدت “انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أبرزها حالات الاختفاء القسري للمدنيين”، حيث وثّقت منظمات محلية ودولية مئات الحالات شملت اختطاف مدنيين واحتجازهم في أماكن غير مخصصة، مع تعريضهم للتعذيب وحرمانهم من الغذاء والرعاية الطبية، دون إخطار ذويهم أو عرضهم على القضاء.

وشدد يوسف على أن الدولة تتحمل المسؤولية الأولى في حماية المواطنين من هذه الجريمة، وأن الأطراف المسلحة، بما فيها قوات الدعم السريع، “ملزمة بالكشف عن أماكن المحتجزين وإطلاق سراحهم أو تقديمهم للقضاء”، مؤكداً أن أسر الضحايا يواجهون صعوبات كبيرة في ظل غياب مؤسسات الدولة، فيما تعمل منظمات المجتمع المدني على التوثيق والضغط. وأضاف أن الفترة التي أعقبت اندلاع النزاع “سجلت أعلى معدلات للاختفاء القسري في تاريخ السودان الحديث”.

يمثل الاختفاء القسري جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع السوداني، إذ لا يتوقف أثره عند لحظة الاختفاء، بل يمتد كظل ثقيل يلاحق الأسر جيلاً بعد جيل. في ظل غياب الدولة وتواطؤ بعض الأجهزة، يجد الضحايا وأقاربهم أنفسهم عالقين بين صمت العدالة وقسوة الحرب. وبينما تدعو المواثيق الدولية إلى محاسبة مرتكبي هذه الجرائم باعتبارها من أبشع الانتهاكات، يبقى صوت الأسر هو الذاكرة الحية التي ترفض النسيان، والنداء المستمر إلى العالم بأسره: أن لا تتحول أسماء المفقودين إلى مجرد أرقام، وأن يبقى البحث عنهم فعل مقاومة في وجه الإبادة الصامتة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *