السودان: حمى الضنك تتفشى في الخرطوم والجزيرة

عاين- 31 أغسطس 2025

يتنقل معظم مرضى حمى الضنك لساعات طويلة في العاصمة السودانية بحثًا عن مستشفيات حكومية توفر الرعاية الصحية، بينما يضطر البعض لنقل مرضاهم إلى الولايات المجاورة على حسابهم الخاص. وفقًا للإحصائيات الرسمية من مركز الطوارئ بوزارة الصحة السودانية، الصادرة في منتصف أغسطس 2025، بلغ عدد الإصابات بحمى الضنك حوالي 325 حالة، منها خمس وفيات.

الوباء المُتفشي بين سكان العاصمة السودانية امتد إلى ولاية الجزيرة ويقول عاملون في شبكات الاستجابة الإنسانية “غرف الطوارئ” إن عدد الإصابات في الجزيرة تقدر بـ 2.600 إصابة وسط انعدام المراكز الصحية المعنية بعلاج هذه الحالات.

ورصد مراسل لـ(عاين) في جنوب الخرطوم، التزايد الواضح في حالات الإصابة في الفترة الحالية، ولا يكاد منزل يخلو من مصاب أو مصابين، وفي بعض الحالات، فإن جميع أفراد الأسرة أصيبوا، كما تكتظ المستشفيات بالمرضى، وسط شكاوى من ارتفاع تكلفة العلاج، مع ضرورة الإشارة إلى تعدد الإصابات داخل المنزل الواحد ما يزيد تكلفة العلاج.

ويشكو السكان من ضعف تدخل السلطات المختصة (محلية جبل أولياء) بولاية الخرطوم في القيام بالحملات الخاصة بمكافحة البعوض، لأغراض الوقاية في ظل وجود مياه الأمطار (البرك) ونمو الحشائش، وتراكم النفايات دون تدخل السلطات لإزالتها، حيث تعتبر البيئة مثالية لتكاثر البعوض والحشرات.

وينوه السكان إلى ضرورة التدخل الرسمي استناداً إلى عدم التوفيق في إنجاح الدعوات التي أطلقوها ذاتياً داخل أحيائهم، وذلك بسبب الإرهاق الشديد الذي يلازم من لم يغادروا منازلهم خلال في فترة الحرب في أحيائهم، بالإضافة إلى إصابة أعداد كبيرة ممن عادوا بالملاريا وحمى الضنك ولذا ليس بمقدورهم المشاركة في حملات إصحاح البيئة مثل النظافة وتطهير المصارف وإزالة الحشائش، رغم قيامهم بتلك المهام سنوياً، بجانب الحوجة لآليات لا تتوفر لديهم، وهو ما يزيد الحاجة إلى التدخل الرسمي.

نستقبل 150-200 حالة إصابة بحمى الضنك أسبوعياً في مستشفى واحد بمنطقة الكلاكلة

طبيب

وقال الطبيب (سمير الطاهر) وهو اسم مستعار لـ(عاين): إن “حالات الإصابة بحمى الضنك في تزايد مستمر، وأن المشفى الذي يعمل فيه يشهد استقبالاً غير مسبوق لمصابين، وأنهم في الأسبوع يستقبلون ما بين (١٥٠- ٢٠٠) حالة إصابة بحمى الضنك، ولفت إلى وجود أعداد كبيرة من حالات الإصابة غير المحصورة باعتبار أن العلاج يتم داخل المنازل، وفي عيادات في الأحياء ليس لديها سجلات إحصائية بأعداد المرضى.

وتابع: أن “الكوادر الطبية تعاني في متابعة المرضى حيث يباشرون عملهم في علاج المرضى في الأحياء بعد انتهاء الدوام الرسمي في المشافي، وذلك لقلة الكوادر الطبية المدربة”. وأكد الحوجة لتدريب أعداد من سكان الأحياء على تركيب المحاليل الوريدية وحقن المرضى لتخفيف المعاناة عليهم.

مستشفى في العاصمة السودانية الخرطوم- عاين

ولفت ذات الطبيب، إلى ارتفاع تكلفة العلاج حيث بلغ سعر دواء الملاريا (7) آلاف جنيه، وسعر درب (البندول) (٥) آلاف جنيه، ودرب (المخلوط والرنجرز) (٥) آلاف جنيه لكل منهما والفراشة (١٠٠٠) جنيه، مع ملاحظة تعدد الإصابات داخل الأسرة الواحدة وهو ما يزيد الأعباء المالية عليها لتحمل تكلفة العلاج، مع عدم وجود دخل ثابت يمكن الأسر من مواجهة هذه الأوضاع.

الجزيرة.. تفشى المرض وتدهور الرعاية الصحية

وفي ولاية الجزيرة وسط البلاد الصورة قاتمة مع تدهور المستشفيات وتضرر المراكز الصحية في القرى من هجمات قوات الدعم السريع طوال العام 2024 وذكرت ريم أحمد المتطوعة الإنسانية شرق ود مدني لـ(عاين)، أن الإصابات أصبحت مقلقة وسط المواطنين وأغلبهم يعتمدون على العلاج المنزلي مثل تناول البندول وشرب السوائل لتلطيف حرارة الجسم، لكن ليست هناك ضمانات من أن المرضى في المنزل يعرضون حياتهم للخطر حال الإفراط في تناول المسكنات دون وصفة طبية.

وأضافت: “تستقبل المراكز الخاصة والمستوصفات الصغيرة المصابين، لكن لا يمكن للغالبية التردد إليها؛ لأنهم لا يملكون المال. أما المستشفى الحكومي مكتظ بالمصابين، ولا توجد رعاية صحية دقيقة وكافية بسبب نقص المعينات”.

وتواجه العاصمة الخرطوم وقرى ومدن ولاية الجزيرة حمى الضنك؛ بسبب الانتشار الكثيف للبعوض الناقل، والتي تسمى “الزاعجة المصرية” ورغم اعتراف وزارة الصحة السودانية بالوباء وإعلانها رصد 325 حالة إصابة بحمى الضنك في العاصمة الخرطوم، إلا أن المواطنين يقولون إن الجهود الحكومية معدومة تماما.

تكدس في المستشفيات

يقول عامل تمريض بمستشفى حاج الصافي بالخرطوم بحري لـ(عاين): “الإصابات مرتفعة بحمى الضنك بين سكان منطقة بحري وبعض المرضى أيضا يصلون إلى المستشفى من شرق النيل وأم درمان”. وأردف: “بينما ترتفع نسبة الإصابة بحمى الضنك هناك مشكلة انعدام المستشفيات في غالبية مناطق العاصمة السودانية لذلك يتكدس المرضى في مستشفيات قليلة تستقبل المصابين”.

وتابع: “أغلب الوفيات حدثت نتيجة قرار شخصي للمرضى بأخذ العلاج الخاطئ مثل الأسبرين في المنزل والاعتماد على المسكنات؛ لأن المرضى يواجهون انعدام المال والمستشفيات أو الاعتقاد بأنهم مصابون بالملاريا”.

باحث بيئي: “انتشار حمى الضنك يعود إلى أن جميع أنحاء البلاد بما في ذلك العاصمة السودانية أصبحت مستوطنة للبعوض الناقل (الزاعجة المصرية)”

وقال العامل في القطاع الصحي شرف الدين محمد أحمد: إن “عدد الإصابات الأسبوعية في العاصمة السودانية بحمى الضنك حوالي 300 شخص أغلبهم لا يحصلون على العلاج المتبع وفق البروتوكولات المعروفة؛ بسبب توقف المستشفيات سيما في بحري والخرطوم”. وأضاف شرف الدين في مقابلة مع (عاين): “لا توجد جهود ملموسة لمكافحة البعوض الناقل من خلال النظافة ونقل النفايات، رغم إطلاق ولاية الخرطوم حملة موسعة قبل ثلاثة أسابيع ربما تكون هناك نتائج خلال الأشهر القادمة”.

ورفض مسؤول في إدارة الوبائيات بوزارة الصحة السودانية التعليق على استفسارات من شبكة (عاين) حول الجهود الصحية ونسبة الإصابة بحمى الضنك في العاصمة والولايات قائلا إن “الوزارة تصدر إحصائيات يومية إلى وسائل الإعلام”.

الخرطوم.. مستوطنة الوبائيات

وتقول منظمة الهجرة الدولية إن قرابة نصف مليون شخص عادوا إلى العاصمة السودانية من الولايات ودول الجوار عقب سيطرة القوات المسلحة على الولاية منذ 20 مايو 2025.

ويقول فيصل محمد حسن الباحث في البيئة لـ(عاين): إن “انتشار حمى الضنك يعود إلى أن جميع أنحاء البلاد بما في ذلك العاصمة السودانية أصبحت مستوطنة للبعوض الناقل (الزاعجة المصرية)”. ويرى حسن أن البعوض الناقل لحمى الضنك عادة ما تنتشر في البيئة التي تلائمها مثل المدن التي شهدت الكوارث الطبيعة أو الكوارث الناتجة عن الحرب مثلما يحدث في السودان حاليا.

ويشير  حسن إلى أن مكافحة الوباء تقوم على شقين الأول تكثيف عمليات النظافة في جميع المدن والقرى والقضاء على المياه الراكدة. أما الشق الثاني إنشاء مخيمات ميدانية لعلاج المصابين بحمى الضنك في الأحياء السكنية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، وقبل ذلك الاعتراف رسميا بتفشي المرض.

تهديد العودة الطوعية

ويهدد انتشار مرض الملاريا وحمى الضنك عمليات العودة الطوعية للمنازل حيث يمتنع السكان عن العودة خوفاً من الإصابة، ويلاحظ أن أغلب المصابين هم من العائدين إلى منازلهم بعد توقف الحرب في مناطقهم، وليس من الذين كانوا قد شهدوا فترة الحرب ووجود قوات الدعم السريع في مناطق جنوب الخرطوم.

وأبلغ أحد المواطنين مراسل (عاين) بالخرطوم، أن أفراد أسرته الذين اضطروا المغادرة إلى إحدى الولايات الآمنة يرفضون العودة في الوقت الحالي، رغم الالتزامات المتعلقة بمدارس أطفالهم، وذلك بسبب انتشار الملاريا وحمى الضنك، ولفت إلى أنهم يشددون على عدم العودة إلى حين انجلاء الوضع الراهن والقضاء الخريف.

ويلاحظ نمو الحشائش، بجانب كسورات المياه في المنازل الخالية من السكان وهو ما يعتبر بيئة مناسبة لتكاثر البعوض.

وبالإضافة للامتناع من العودة، فقد رجع بعض المواطنين الذين وصلوا بالفعل إلى أحيائهم التي تركوها قسراً بسبب الحرب ولكنهم أصيبوا بأمراض مما اضطرهم إلى العودة مجدداً إلى المناطق التي كانوا قد توجهوا إليها بسبب الحرب.

وقال محمد عجيب وهو شاب تعافى من المرض بالعلاج في المنزل بحي الصحافة بالخرطوم لـ(عاين): إن “المرض يسبب المضاعفات للأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة وبعض المرضى اضطروا للسفر وهم في حالة إعياء إلى دنقلا وعطبرة بحثا عن الرعاية الصحية في المستشفيات الخاصة”.

وتابع: “كانت بعض العائلات تعتقد أن الخرطوم ربما تكون مهيأة للبقاء لكنهم عندما شاهدوا الوضع على الأرض ومع تفشي الإصابات وشح الخدمات الأساسية قرروا العودة إلى الولايات وخارج البلاد”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *