ماذا حدث في أم روابة ؟

 

ماذا حدث في أم روابة؟

٣٠ مايو ٢٠١٣

في الثالثة من فجر يوم السبت 27 أبريل، شق صمت المدينة الهادئة أصوات سيارات بأعداد كبيرة وهي تدخل أم روابة دفعة واحدة. الأمر غير معهود أبداً في المدينة التي تنام باكراً وتقل فيها أعداد السيارات حتى في ساعات النهار. هكذا بدأ المواطن محمد الحارث وصفه لما حدث في منطقة أم روابة بعد دخول قوات الجبهة الثورية السودانية إلى المدينة، وبقائها فيها منذ ساعات الصباح الأولى وحتى الواحدة والنصف بعد ظهر اليوم نفسه.

الجبهة الثورية بقيت لساعات معدودة في المدينة. “لكن آثار تلك العملية ستظل مستمرة لفترة طويلة سياسياً وأمنياً واقتصادياً” يضيف الحارث.

الحكومة ممثلةً في حزب المؤتمر الوطني من جهة، وقيادات الجبهة الثورية من جهة أخرى، تبادلا الاتهامات بارتكاب انتهاكات إنسانية عديدة خلال العمليات التي سيطرت خلالها الحركات المسلحة على مناطق: الله كريم والرهد وأبوكرشولا وبالطبع أم روابة، وغيرها من القرى الصغيرة. صرح الحزب الحاكم في أكثر من محفل بأن القوات المهاجمة اعتدت على الممتلكات العامة والخاصة، ودمرت السوق المحلي لأم روابة، وبرج الإتصالات، وحرقت محطة الكهرباء الوحيدة في المدينة، بالإضافة إلى قيامها بقتل المدنيين، ونهب البنوك والمؤسسات العامة الأخرى، فيما تنفي الجبهة الثورية ذلك متهمتة الحكومة بالاستمرار في استخدام سلاح الطيران في قصف المدنيين، والقيام بعمليات انتقامية من المواطنين الذين تعتقد الحكومة أنهم موالون للجبهة الثورية.


دون مقاومة
وفي رواية متطابقة مع مواطنين آخرين، يروي المواطن محمد الحارث أنه سمع أصوات السيارات واطلاق نار في الهواء عقب الثالثة صباحاً بقليل، وحينما حاول الخروج من منزله لاستجلاء الأمر شاهد عشرات السيارات المحملة بالمدافع تجتاح شوارع المدينة وتدخلها من ثلاثة محاور. أحدها من الناحية الغربية، والآخر من الناحية الشمالية، والثالث من الناحية الشمالية الغربية. بما يعني أن القوات جاءت من جنوب كردفان ومن ناحية مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، مضيفاً بأن القوات التي تبلغ حوالي الثلاثين سيارة محملة بالجنود والمدافع لم تشهد أي مقاومة تذكر حتى الساعات الأولى من الصباح، حينما اشتبكت مع قوة الشرطة الوحيدة والصغيرة الموجودة في أم روابة، ويوضح الحارث أن القوات المهاجمة تعاملت بقوة سريعة وكبيرة مع قوات الشرطة وضربت مركزها بالمدافع مسقطةً عليه ما يقارب العشرة قذائف حتى ساوته بالارض، وأكدت الأنباء بعد ذلك مقتل كافة أفراد الشرطة التسعة بما في ذلك قائدها وهو برتبة ملازم، ويمضي الحارث في روايته لـ (عاين) مؤكداً أن جنود الجبهة الثورية كانوا أناساً عاديين تتفاوت سحناتهم بين مناطق مختلفة من السودان من شماله وغربه ووسطه. إلا أن ملامح الجنود التي تشير لأصول تعود إلى جبال النوبة ودارفور قد طغت عليهم، مشيراً إلى أن الجنود كانوا في قمة الانضباط ولم يعتدوا على أحد إطلاقاً دون سبب واضح. لكنه عاد وأبان بأنهم منعوا الحديث في أجهزة الهاتف المحمول، واعتدوا على كل من خالف تلك الأوامر. مبيناً أن ذلك قد يكون خوفاً من وجود عناصر من الاستخبارات العسكرية بين المواطنين. قبل أن يختتم حديثه بأن القوات خرجت أيضاً دون أي مقاومة على الإطلاق، وعادت باتجاه الجنوب الغربي.


حظر التجول
ويؤكد المواطن محمد الشيخ المجذوب في افادته بأن القوات دخلت فجراً إلى المدينة، وأن أم روابة استيقظت لتجدهم مسيطرين عليها تماماً، وقال المجذوب لـ (عاين) أن أحد أقاربه الذي يعمل على عربة كارو قتل من قبل جنود الجبهة الثورية لأنه رفض الانصياع لأوامرهم بالبقاء في المنزل. مشيراً إلى أن قوات الجبهة الثورية فرضت حظر التجول على المواطنين منذ العاشرة صباحاً، وأجبرتهم على البقاء في منازلهم، وأضاف أن أحد الضباط قال لهم بالحرف : “الجماعة ديل [يقصد الجيش السوداني] بجوا بقصفوا بالطيران بعد شوية وما بميزوا بين عسكري ومدني، فمن الأحسن ليكم تبقوا في بيوتكم حرصاً على سلامتكم” ويمضي المجذوب بالقول أن ذلك كان فيما يبدو لإبعاد كل العناصر التي يشتبهون بأنها تمد الاستخبارات العسكرية بالمعلومات.


قائمة استهداف
مواطن آخر فضل حجب هويته كشف بأن قوات الجبهة الثورية اتجهت عقب دخولها مباشرة إلى منزل المعتمد للقبض عليه لكنه كان قد فر إلى خارج المدينة بمجرد سماعه للطلقات التي شقت سماءها، ومضى للتأكيد في حديثه لـ ( عاين ) بأن أحد الضباط الذي بدا برتبة كبيرة – إن لم يكن قائد العملية برمتها – كان يحمل ورقة يقرأ منها بعض الأسماء لأهداف يبدو أنها لقيادات حزب المؤتمر الوطني وقوات الدفاع الشعبي، وغيرها من الأجهزة التابعة للحزب الحاكم. مبيناً أنه شاهد بالفعل جنود الجبهة الثورية وهم يقتادون بعض قيادات المؤتمر الوطني في سياراتهم قبل أن ينسحبوا. لكنه عاد وأكد أنهم لم يستهدفوا أي من المدنيين العاديين إطلاقاً.

البنوك
ويقول أحد الموظفين بالمدينة الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ (عاين) أن القوات المهاجمة لم تعتد على البنوك والمؤسسات بالنهب والسلب، ولم تعتد على أي أموال خاصة للمواطنين في سوق المدينة. مشيراً إلى أن المراجعات التي قامت بها كافة البنوك لم تثبت وجود أي نقص في الأموال والخزائن التابعة لها. لكنه أشار إلى اعتداء القوات على بعض المباني الحكومية كالمحلية ومصلحة الضرائب ومكتب الأراضي وإحراق بعضها أو إطلاق النار داخلها.
ويقول صاحب مطعم بمدينة أم روابة أن بعض جنود الجبهة الثورية تناولوا وجبة الإفطار في مطعمه، وقاموا بدفع الحساب كامل وقاموا بذلك أيضاً في كافة المطاعم المجاورة. مبيناً أنهم سودانيون عاديون “تعاملوا معي بصورة عادية ليس فيها أي عنف” يقول صاحب المطعم، في حين لاحظ عليهم بعض الإرهاق لكونهم لم يتناولوا الطعام لساعات طويلة.
مظاهرات واعتقالات
سخونة الأحداث والفوضى التي اجتاجت أم روابة دفعت سكانها للغضب حيث خرجوا جميعاً يوم الأحد في مظاهرات غير مسبوقة بالمدينة. كما يقول مهدي محمد أحمد، الأمين العام لحزب الأمة القومي بمحلية أم روابة.

ويقول ناشط سياسي فضل عدم ذكر اسمه خوفاً من الملاحقة، أن المواطنين رددوا هتافات مناوئة لوالي الولاية وحكومته “مافي حماية.. مافي حماية!” ووصفوه بالعاجز عن توفير الأمن وطالبوه بالاستقالة. بل إن الحشود حاوطته ورفعت حماراً في وجوده مشيرين بغضب أن الحمار هو “الوالي الجديد”. في تعبير عن رفضهم لسياسات الوالي وحكومته.

وأكد ذات الناشط لـ (عاين) أن مظاهرات أخرى واجهها وفد حكومي أوسع برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية، ووزيري الدفاع والداخلية وذلك عند زيارتهم لمخيمات النازحين من المعارك التي دارت في منطقة ابو كرشولا جنوب أم روابة. التي تؤكد الأنباء أن قوات الجبهة الثورية ما تزال تسيطر عليها.

وفي تطور لاحق كشف الناشط السياسي عن اعتقال السلطات لعدد من السياسيين التابعين لحزبي المؤتمر الشعبي والأمة في المدينة بحجة مساعدتهم للحركات المسلحة ومدها بالمعلومات، وهو الاتهام الذي نفاه الأمين العام لحزب الامة مهدي محمد أحمد معتبراً أن ذلك مجرد محاولة من الوالي لتغطية فشله على حد تعبيره.

 This is debug window. Set define(‘DEBUG’, FALSE) in config.php file to hide it.